جرائم منظمة الجيش السري ”أو.آ.آس” ضد الشعب - Presse-Algerie.net

Presse-Algerie.net

دليل مواقع الصحافة الجزائرية

 

Articles de presse

 

جرائم منظمة الجيش السري ”أو.آ.آس” ضد الشعب الجزائري

إرهاب استعماري بالتنسيق مع مؤسسات الدولة الفرنسية

Share |

يعتقد الكثير أن منظمة الجيش السري ”آو.آ.آس” وُلدت كردّ فعل على اتفاقيات إيفيان بهدف إفشالها، لكن في الحقيقة هذا الإرهاب الأوروبي ممتد عبر التاريخ الاستعماري في الجزائر، واتخذ عدة مظاهر وأشكال، فأحيانا يأخذ طابع إرهاب دولة، ويتم في أحيان أخرى عن طريق تنظيمات إرهابية سرية تعمل بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية للدولة الاستعمارية، ومنها العمليات التي تقوم بها هذه المنظمات كي تتنصل المؤسسات الرسمية من مسؤولياتها، ومنها مثلا ”منظمة اليد الحمراء” التي صفّت الكثير من الوطنيين مثل العربي التبسي، ولهذا لا نستبعد وجود تنسيق بين منظمة الجيش السري مع بعض المؤسسات الرسمية للدولة الاستعمارية في إطار تقسيم أدوار.

 

الدكتور رابح لونيسي لـ”الخبر”

عنف منظمة الجيش السري جزء من إرهاب الاستعمار 

 

ذكر رابح لونيسي، أستاذ التاريخ بجامعة وهران، أن منظمة الجيش السري ظهرت رسميا بعد فشل انقلاب الجنرالات الفرنسيين الأربعة شال وسالان وجوهو وزيلر، ضد دوغول في أفريل 1961، والذين كانوا يرون أن دوغول قدّم عدة تنازلات لجبهة التحرير الوطني. وأوضح لونيسي، في حوار لـ”الخبر”، أن المنظمة تكوّنت من الكثير من العسكريين الذين فرّوا من الجيش الاستعماري بعد فشل الانقلاب، ويأتي على رأسهم الجنرال سالان.

 

ماذا تعني منظمة الجيش السري في ذاكرة الجزائريين؟

 ارتبطت لديهم بالرعب والإرهاب، وبقيت ثلاثة حروف هي ”أو.آ.آس” أي منظمة الجيش السري راسخة في أذهان الجزائريين الذين عايشوا السنوات الأخيرة من الثورة، خاصة المرحلة الانتقالية الممتدة من يوم إيقاف إطلاق النار إلى الاستفتاء، خاصة سكان المدن، وبشكل أخص وهران والعاصمة. وارتبطت لديهم بالرعب والإجرام، ويعود ذلك إلى العمليات الإرهابية التي قامت بها هذه المنظمة آنذاك، فكانت مثلا تخصص كل يوم لشريحة اجتماعية، وتقوم بتصفية عشوائية لكل من تصادفه منها في طريقها، فيوم لسعاة البريد، ويوم لعمال النظافة، ويوم آخر للشغالات في البيوت الأوروبية اللواتي يسمون بـ«الفاطمات”، كما خرّبت العديد من المرافق العامة كإحراق مكتبة جامعة الجزائر، وكذلك عملية ميناء العاصمة يوم 02 ماي 1962، كما قتلت أطفالا في انفجار بالمدينة الجديدة بوهران، وغيرها من العمليات الكثيرة جدا. واغتالت مثقفين سواء جزائريين أو أوروبيين متعاطفين مع القضية الجزائرية، ومنها اغتيال المعلّمين الستة بالأبيار، وعلى رأسهم الكاتب مولود فرعون الذي تلقى العديد من التهديدات من المنظمة، واستهدفت بذلك إفراغ الجزائر المستقلة من كفاءات في التعليم وغيرها من المجالات. واستندت المنظمة في أعمالها الهمجية والتخريبية على فكرة مفادها أن الجزائر بناها المعمرون، وأنها كانت صحراء قاحلة قبل الاستعمار الفرنسي لها، وإذا استقلت، فيجب تحطيم كل شيء، وإعادة الجزائر إلى ما كانت عليه من تخلف، في نظرهم، ويدخل هذا طبعا في إطار الإيديولوجية الاستعمارية التي تقول إن مهمة الاستعمار هي تمدين الجزائريين الذين كانوا همجا من قبل، حسب نظرها.

وكيف وُلدت هذه المنظمة؟

 يعتقد الكثير أن هذه المنظمة وُلدت آنذاك كردّ فعل على اتفاقيات إيفيان بهدف إفشالها، لكن في الحقيقة هذا الإرهاب الأوروبي ممتد عبر التاريخ الاستعماري في الجزائر، واتخذ عدة مظاهر وأشكال، فأحيانا يأخذ طابع إرهاب دولة، ويتم في أحيان أخرى عن طريق تنظيمات إرهابية سرية تعمل بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية للدولة الاستعمارية، ومنها العمليات التي تقوم بها هذه المنظمات كي تتنصّل المؤسسات الرسمية من مسؤولياتها، ومنها مثلا ”منظمة اليد الحمراء” التي صفّت الكثير من الوطنيين مثل العربي التبسي، ولهذا لا نستبعد وجود تنسيق بين منظمة الجيش السري مع بعض المؤسسات الرسمية للدولة الاستعمارية في إطار تقسيم الأدوار.

 ظهرت هذه المنظمة رسميا بعد فشل انقلاب الجنرالات الأربعة (شال، سالان، جوهو، زيلر) ضد دوغول في أفريل 1961، والذين كانوا يرون أن دوغول قدّم عدة تنازلات لجبهة التحرير الوطني، وقد تشكّلت المنظمة من الكثير من العسكريين الذين فرّوا من الجيش الاستعماري بعد فشل الانقلاب، ويأتي على رأسهم الجنرال سالان، كما انخرط فيها العديد من الطلبة عن طريق جان جاك سوزيني، ومن المفارقات التحاق عدد كبير من الكادحين في المجتمع الاستعماري بها، ومنهم الكثير من المتعاطفين مع الشيوعيين، وهو ما دفع مؤرخا مثل إيمانويل سيفان في كتابه ”الشيوعية والوطنية في الجزائر 1920-1962” إلى القول بأن العنصرية الأوروبية ضد الجزائريين كانت أولى لدى هؤلاء من نداءات الماركسيين إلى تضامن طبقي بين جزائريين وأوروبيين آنذاك.

وما هي الأساليب التي اعتمدت عليها المنظمة؟

 استندت المنظمة منذ البداية على استخدام ما يرونه نفس أساليب عنف جبهة وجيش التحرير الوطنيين للحفاظ على ما يعتبرونه ”الجزائر الفرنسية”، فكانت تقوم بعمليات عسكرية ضد جيش التحرير الوطني وضد الجيش الاستعماري على حد سواء، وحاولوا اغتيال دوغول، ففي البداية كانت المسألة واضحة بالنسبة لجيش التحرير الوطني، إلا أن الأمر تعقّد أمامه بعد وقف إطلاق النار وتكثيف الإعمال الإرهابية للمنظمة ضد الجزائريين العزل، ما يمكن أن يولد ردود فعل عنيفة منهم، فتفشل بذلك تطبيق اتفاقيات إيفيان، لأنه من الصعب على جيش التحرير التحرك ضد عمليات المنظمة خوفا من إعطائها سلاحا لإفشال تطبيق الاتفاقيات، والذي كان هدف تلك العمليات الإرهابية، ولهذا أرسل ”الكومندان” عز الدين رفقة عمر أوصديق إلى العاصمة للقيام بشيء ما لحلّ هذه المعادلة الصعبة، والمتمثلة في كيفية الدفاع عن العزل من الجزائريين ضد هؤلاء الإرهابيين مع عدم تعريض تطبيق اتفاقيات إيفيان للفشل كما تريده المنظمة السرية، وقد تحدث ”الكومندان” عز الدين عن هذه المهمة في كتابه” الجزائر لن تحترق”.

وكيف توقفت هذه العمليات الإرهابية؟ 

 توقفت هذه العمليات الإرهابية بعد اتفاق بين جبهة التحرير الوطني والمنظمة بعد وساطة قام بها جاك شوفاليي بين سوزيني والهيئة التنفيذية المؤقتة بقيادة عبد الرحمن فارس في روشي نوار (بومرداس اليوم) وكُلّف شوقي مصطفاي بمتابعة المفاوضات، وتم التوصل إلى اتفاق 17 جوان 1962 يقضي بوقف العمليات الإرهابية مقابل الحفاظ على مصالح الأوروبيين التي كانت مضمونة أصلا وفقا لاتفاقيات إيفيان، مع مطالب أخرى للمنظمة لم تر طريقها للتنفيذ بعد الضعف الذي دبّ في المنظمة نتيجة ضربات جيش التحرير السرية وكذلك الجيش الاستعماري، ومنها إلقاء القبض على العديد من قياداتها، ومنهم سالان بوهران. كما نشير إلى مشكلة طرحت بعد الوصول إلى الاتفاق، حيث تهرّبت كل قيادات الثورة في الخارج من تحمّل مسؤولياتها خوفا من المساس بمصداقيتها واتهامها بالاتفاق مع منظمة إرهابية، لكن أخذ كريم بلقاسم على عاتقه مسؤولية تحمّل ذلك حقنا لدماء الجزائريين، ويبدو أنه دفع ثمنا غاليا لذلك، بفعل التشويه الذي لحق به من دعايات خصومه في إطار الصراع حول السلطة آنذاك.

ما هي انعكاسات أعمال المنظمة على مصير الأقدام السوداء؟ 

 تعدّ الأعمال الإرهابية لمنظمة الجيش السري درسا تاريخيا اليوم لكل المتطرفين، يتمثل في أن التطرف مدمر للذات، ويحقق عكس ما يهدف إليه أنصاره، فقد قضى تطرف هذه المنظمة عليها نهائيا وعلى هدفها في الحفاظ على ”الجزائر الفرنسية، كما حطّمت مشروع دوغول المبني على تحويل أوروبيي الجزائر إلى قاعدة لما يسمى بـ«الاستعمار الجديد” آنذاك، وذلك نتيجة هروب الأوروبيين خوفا من الانتقام وبفعل ممارسات منظمة الجيش السري الإرهابية. لكن هناك طروحات أخرى ترى بأن منظمة الجيش السري بمساهمتها في هروب الأوروبيين ضيعت على الجزائر فرصة لبقاء هؤلاء الذين من شأنهم أن يكونوا قاطرة التقدم والرقي لدولة الجزائر المستقلة، ولتقريب الفهم نقول القيام بنفس دور البيض في جنوب إفريقيا اليوم. ويعدّ فرحات عباس أحد أصحاب هذا الطرح، لدرجة تصريحه في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية في السبعينيات: ”إنني لن أغفر لمنظمة الجيش السري من جراء ما ساهمت فيه”. وهذا موضوع آخر للنقاش يدور حول تطور مسار الجزائر لو بقي هؤلاء الأوروبيون، هل فعلا سيلعبون دورا إيجابيا كما كان يرى البعض أم العكس؟ الجزائر: حاوره حميد عبد القادر 

 

اتصفت أعمالها بالطابع الإرهابي 

منظمة ”آو.آ.آس” نفّذت 2293 تفجير بالعبوات البلاستيكية

 

❊ تميّز إرهاب منظمة الجيش السري باستهداف عدد كبير من الجزائريين من مختلف الشرائح، وتمثل في قتل المساجين في زنزانات مراكز الشرطة مثلما وقع في مركز شرطة حسين داي بالعاصمة. وكذا تنفيذ سلسلة من التفجيرات قدرت بنحو 2293 تفجير بالعبوات البلاستيكية خلال الفترة الممتدة ما بين سبتمبر 1961 ومارس 1962، أسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 700 ضحية.

وقامت بتصعيد العمل الإجرامي للمنظمة بعد التوقيع على وقف إطلاق النار، من ذلك إطلاق عدة قذائف مدفعية على أحياء سكنية بالقصبة السفلى يوم 20 مارس 1962 أودت بحياة 24 شخصا و59 جريحا، وتفجير سيارة ملغمة قرب ميناء الجزائر، ما خلّف 62 قتيلا و110 جريح في صفوف العمال (الحمّالون). إضافة إلى الحرق العمدي للمؤسسات، كمكتبة جامعة الجزائر في 7 جوان 1962، حيث أتى الحريق على أزيد من 600 ألف كتاب، وحرق مكاتب الضمان الاجتماعي والمدارس والمستشفيات. ح. ع 

 

 

جان جاك سوزيني يكشف في حوار مع الصحفي برتراند لوجندور

الدولة الفرنسية تعاونت  مع منظمة الجيش السري

  جاء في الكتاب الذي أعدّه الصحفي الفرنسي برتران لوجوندر مع جان جاك سوزيني، أحد العقول المدبرة لمنظمة ‘’أو.آ.آس’’ الإرهابية، والذي نشرت صحيفة ‘’ليبراسيون’’ بعض صفحاته، أن الدولة الفرنسية التي كان من الواجب عليها ‘’ضرب معاقل منظمة الجيش السري ومحاربتها’’، كانت تعمل وتتواطؤ معها من أجل تصفية عدد من المناضلين الجزائريين، سواء كانوا منخرطين في جبهة التحرير الوطني أو مجرد متعاونين معها. 

وقال سوزيني صراحة في ردّه على أسئلة لوجوندر: ‘’وصلتنا معلومات عن أعدائنا، وهم المتعاطفون مع جبهة التحرير الوطني سواء كانوا مسلمين أو أوروبيين، من قِبل مصالح الشرطة الفرنسية في الجزائر’’.

وعن سؤال حول ما إذا كانت منظمة الجيش السري بمثابة متعاون فرعي لمصالح الشرطة للقيام بالمهام القذرة، قال سوزيني: ‘’حين تتمكن القوى النظامية من إلقاء القبض على عميل تابع للأفالان ولا تعثر بشأنه على ما يجعله يمثل أمام المحكمة، لا بد أن يتكفل طرف معيّن بإعدامه’’، في إشارة ضمنية إلى أن المنظمة الإرهابية تكفلت بتصفية عدد من الجزائريين دون محاكمتهم. وأضاف الرجل الثاني في منظمة ‘’أو.آ.آس’’ أن مصالح الشرطة الفرنسية كانت ترسل لهم أسماء لمتعاطفين مع الثورة لتصفيتهم، رغم أنها كانت مكلفة في الواقع بمحاربتها. وقال: ‘’قد يبدو هذا عبارة عن مفارقة، لكن بالنسبة إليهم كان الأمر يعتبر من بين الحلول الممكنة لضرب عدو مشترك’’. 

وذكر سوزيني أن التعاون بين أنصار الجناح العسكري لتيار الجزائر الفرنسية ومصالح الشرطة الفرنسية يعود إلى معركة الجزائر، واعتبر أن عناصر موالية للشرطة كانت ترسل لهم قوائم بأسماء فدائيين يجب تصفيتهم. وأضاف: ‘’منذ أن عجزت الدولة الفرنسية عن تنفيذ الحلول الراديكالية المطروحة، كان لزاما علينا أن نحلّ محل الدولة، فكل حروب المقاومة مرت على هذه المرحلة’’. 

يُذكر أن جان جاك سوزيني ولد بالجزائر العاصمة سنة 1933، وهو مناضل يميني متطرف، شغل منصب رئيس الجمعية العامة للطلبة الجزائريين، فرّ إلى إسبانيا بعد إخفاق انقلاب الجنرالات الفرنسيين على الجنرال ديغول سنة1961، وهناك أسّس رفقة الجنرال راؤول صالون وبيار لاغايارد وجوزيف أورتيز منظمة الجيش السري، فحكم عليه بالإعدام، لكن الجنرال ديغول قرر العفو عنه سنة 1968. 

 

 

”اليد الحمراء” منظّمة إرهابية تحت رعاية أجهزة المخابرات 

قصة تحوّل فرنسا إلى دولة مارقة 

 

حينما بدأت الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية تستشعر خطر زوال نفوذها أمام تصاعد المد الثوري والتحرري، خاصة بعد نكسة ”ديان بيان فو” وهزيمة الجيش الفرنسي المذلّة عام 1954 على يد الفيتناميين، دخلت باريس مرحلة اللجوء إلى العمل السري بهدف تصفية خصومها في عدد من المناطق التي تأجّجت فيها موجة الحركات الوطنية التحررية، على رأسها منطقة المغرب العربي.

 اعتمدت فرنسا على قاعدة أساسية هي عدم بروز الدولة بمؤسساتها الرسمية في الواجهة، وعدم تحمل مسؤولية العمليات السرية والاغتيالات التي تطال رموز وطنية، ثم مناصري قضايا التحرر في العديد من المناطق.

بدأ التفكير في إنشاء منظمة سرية مهيكلة في الفيتنام في ديسمبر 1946 مع تشكيل المخابرات الفرنسية لما يعرف بمجموعات ”القوات الخاصة المختلطة المظلية”، التي عملت على تجنيد قوى مضادة للثورة في الفيتنام وتجنيدهم، ولكن العمليات السرية باءت آنذاك بالفشل لسوء تقدير المخابرات الفرنسية المعروفة تحت تسمية ”جهاز التوثيق الخارجي ومكافحة الجوسسة”. وبعد الإخفاق الفرنسي ومع بداية الخمسينات، تم تشكيل النواة الأولى لمنظمة سرية عرفها البعض بـ«الجيش السري للجمهورية” على يد مجموعة من المعمّرين في تونس، حيث قامت بتصفية رموز من الحركة الوطنية ما بين 1952 و1954 بالخصوص، على رأسهم النقابي فرحات حشاد وجلولي فارس والقيادي الهادي شكري، كما قامت بعمليات في المغرب ما بين 1952 و1954، ثم اتسعت دائرة نشاط التنظيم الذي تبلور بصورة فعلية وواضحة المعالم في أعقاب اندلاع الثورة التحريرية في الجزائر في الفاتح نوفمبر 1954، هنا بدأت فعليا قصة ”اليد الحمراء” التي ارتبطت بشخصيتين مفتاحيتين الجنرال بول غروسان وقسطنطين ميلنيك.

«اليد الحمراء” تلك المنظمة الافتراضية التي ظلت لسنوات تتبنى عمليات تصفية واغتيالات وتفجيرات كانت في واقع الأمر من صنيعة مصالح المخابرات الفرنسية أو ”جهاز التوثيق الخارجي ومكافحة الجوسسة”، استلهمت أعمالها من عدة تنظيمات منها الغربية على شاكلة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فأساس عمل التنظيم هو إخلاء مسؤولية فرنسا الرسمية ومؤسساتها والإبقاء على المسؤوليين في خلفية الأحداث، لتحريك خيوط اللعبة التي كانت تقتضي تصفية خصوم اعتبروا خطرا على أمن الإرث الاستعماري الفرنسي.

كل شيء بدأ بحسم السلطة الفرنسية خيار اللجوء إلى العمليات السرية، خاصة بعد بلوغ الثورة في الجزائر مرحلة اللارجوع، وأعطي لمثل هذه العمليات الغطاء السياسي من قِبل الوزير الأول ”غي مولي”، حينها تم إطلاق اليد للمخابرات الفرنسية لتأطير عمليات تمس شبكات الدعم لجبهة التحرير وحاملي الحقائب، فكلما تم التضييق على نقل وتحويل المال والسلاح كلما قلت هوامش حركة الثوار وبالتالي تخفيض الخسائر البشرية.

في مرحلة الخمسينيات، أي ما بين 1952 و1956، بدأت المخابرات الفرنسية في تجنيد منحرفين وأصحاب السوابق العدلية لإنشاء شبكات تقوم لصالحها بعمليات تصفية لشخصيات يتم تحديدهم في أوساط حاملي الحقائب وشبكات الدعم في أوروبا لجبهة التحرير الوطني ورموز ومؤيدي حركة الاستقلال، إلا أن العمليات لم تؤت ثمارها لعدم خبرة هؤلاء المسبوقين الذين يتم تبييضهم لقاء قيامهم بالمهام القذرة، فعاد الفرنسيون إلى بديل آخر تمثل في المجرمين الكبار على شاكلة ”جو عطية” ولكن التجربة فشلت أيضا.

وبعد استخلاص المخابرات الفرنسية الدرس ركّز قسطنطين ميلنيك، الرأس المدبر للتنظيم ومستشار دوبري، إلى جانب الجنرال بول غروسان الذي تولى رئاسة المخابرات الفرنسية في 1957، على إستراتيجية متكاملة هدفها الأساسي ”تحطيم الأفالان” الذي يمر عبر عمليات ترهيبية نوعية تشمل كافة شبكات الدعم ترعاها المخابرات الفرنسية بمعية أشخاص متمرسين، لكنهم غير محددي الهوية دون أن تتحمل الاستعلامات الفرنسية مسؤوليتها، وتم على هذا الأساس تشكيل نظام خاص وقيادة أركان افتراضية ومنظومة للدعاية الإعلامية لتبنّي العمليات، هنا بدأت المصالح الفرنسية في تنفيذ ما عُرف بعملية ”أرما” مع عودة الجنرال ديغول والجمهورية الخامسة عام 1958، وفي أعقاب اللقاء الذي جمع الجنرال بول غروسمان مدير جهاز المخابرات وشارل ديغول تم تحديد ثلاثة قواعد أساسية للعمليات السرية، وهي ألا تستهدف رعايا فرنسيين وأن تحظى بموافقة الرئيس والوزير الأول، وأن تتم خارج التراب الفرنسي ولكن سرعان ما تم تجاوز ذلك، خاصة بعد اغتيال المحامي ولد عودية في ”شارك سان مارك” بباريس، لتتحوّل ”اليد الحمراء” ما بين 1958 و1961 بالخصوص إلى آلة للموت، فاق عدد ضحاياها 200 شخصية أوروبية ومغاربية، إلى جانب عمليات فاشلة وأخرى لم تنجز استهدفت الطيب بلوحروف، أحد رموز اتحاد جبهة التحرير بفرنسا، وجاك فرجيس، وشمل نشاطها خمس دول أوروبية ودول المغرب العربي، ولكن عمليات ”اليد الحمراء” لم تحقق أهدافها، كما لم تنجح رغم الدعم والدعاية الإعلامية في تغيير مسار الثورات والحركات التحررية التي استمرت امتداداتها إلى القارة الإفريقية، ما دفع باريس إلى تغيير إستراتيجيتها مجددا، من خلال ابتداع سياسات الشبكات الجديدة التي قادها ”جاك فوكار” للحفاظ على مصالح فرنسا في القارة السمراء. الجزائر: حفيظ صواليلي

 

كيف عالج الدكتور مصطفاي جنون الإرهاب

 إرهاب المستوطنين الفرنسيين بالجزائر وليد الاحتلال والنظام السياسي الاجتماعي المتولد عنه.. فالمنظمة المسلحة السرية (O.A.S) التي ظهرت مطلع 1961، تستند إذًا إلى خلفية ورصيد إرهابي قديم قدم الاحتلال الفرنسي نفسه. وجاء بروز هذه المنظمة الإرهابية، ليعبّر عن رفض أغلبية المستوطنين التفاوض مع جبهة التحرير الوطني من جهة، والتعايش مع الأغلبية الجزائرية أو في ظل حكمها من جهة ثانية.

في منتصف يونيو 1960، عبّر المستوطنون سياسيا عن رفض اختيار التفاوض لحل المشكلة الجزائرية بتأسيس ”جبهة الجزائر الفرنسية” ردا على لقاء ”مولان” بعد بضعة أيام، وهو أول لقاء رسمي بين الطرفين الجزائري والفرنسي، منذ إعلان الثورة في الفاتح نوفمبر 1954. وبعد نحو 7 أشهر من ذلك، عبّروا عن رفضهم عسكريا بتأسيس ”المنظمة المسلحة السرية”، غداة استفتاء 8 يناير 1961 الذي كان تفويضا شعبيا للرئيس دوغول، بالتفاوض مع ممثلي الشعب الجزائري لتسوية النزاع القائم.. وتشكل هذه المنظمة ائتلافا من:

1-مليشيات المستوطنين التي كانت تشنّ حربا موازية على الشعب الجزائري، بتشجيع سافر من مصالح الأمن المدنية والعسكرية.

2-متطرفون من الجيش الفرنسي، بقيادة ضباط سامين أمثال صلان وشال وزيلر وجوهو، فضلا عن عدد من العقداء الحاقدين أمثال ”أرڤو” و«ڤارت” وغيرهم.

كان هذا الائتلاف في البداية معتدّا بنفسه، إلى درجة الاعتقاد أن باستطاعته اعتراض مسار التفاوض بقوة السلاح والجيش.. وعبّر عن اعتداده هذا بعمليتين بارزتين:

-اغتيال رئيس بلدية إيفيان أواخر مارس 1961، لقبوله استضافة الجولة الأولى من المفاوضات الرسمية الجزائرية الفرنسية.

-محاولة الانقلاب التي قادها، ابتداء من ليلة 23 أبريل الموالي، الجنرالات الأربعة الذين سبق ذكرهم.. بعد فشل هذه المحاولة، لم يبق للمتطرفين من وسيلة لعرقلة مسار السلام غير الإرهاب الذي استهدف الرئيس الفرنسي نفسه في سبتمبر من السنة نفسها، غداة مؤتمر صحفي اعترف خلاله أول مرة بسلامة التراب الجزائري، بعد أن ظل يحاول فصل الصحراء بشتى الأساليب والوسائل.. طبعا كان جنون المنظمة الإرهابية يتصاعد مع اقتراب المرحلة النهائية للمفاوضات السرية.. ففي 21 فبراير 1962، بلغ قيادة الإرهاب أن الطرفين الجزائري والفرنسي توصلا في ”لي روس” (منطقة ”جورا”) إلى اتفاق حول الخطوط العريضة لتسوية النزاع.

فراحت تصعّد من جنونها، فشهدت الأيام الثلاثة التالية مقتل 108 من الجزائريين وإصابة 72 آخر بجروح.. وضربت موجة الإرهاب الدامي بصفة خاصة أهم المدن الجزائرية، حيث يتواجد المستوطنون بكثافة، مثل الجزائر ووهران وعنابة.

في بداية أبريل 1962، استقرت ”الهيئة التنفيذية المؤقتة” (حكومة بومرداس) في بومرداس، برئاسة السياسي الموثق عبد الرحمن فارس، تطبيقا لاتفاقيات إيفيان الموقعة مساء 18 مارس المنصرم. وأمام تصاعد الإرهاب، ومخاطر رد واسع من جبهة التحرير والشعب الجزائري على استفزازات ومناكر المنظمة الإرهابية، بقيادة جاك سوزيني والانعكاسات التي يمكن أن تنجر عن ذلك على اتفاقيات إيفيان نفسها، أمام هذه المخاطر لم يتردد فارس في التعبير أمام صديق فرنسي عن استعداده لمقابلة سوزيني شخصيا لوقف الجنون الإرهابي.

وجدت هذه الرغبة آذانا صاغية لدى ذوي الإرادات الحسنة، فتم اللقاء فعلا بضواحي بودواو، حيث رشح سوزيني جاك شوفاليي رئيس بلدية الجزائر السابق وسيطا له، وأسفرت الاتصالات اللاحقة عن إعلان المنظمة الإرهابية عن هدنة 15 يوما.

بلغت إصداء هذه الاتصالات السرية الحكومة المؤقتة بتونس، نتيجة تسريبات محسوبة من المنظمة الإرهابية التي كانت توهم المستوطنين بأنها بصدد التفاوض ندا لند مع جبهة التحرير! فسارعت بتنبيه ممثلها الأول في حكومة بومرداس، الدكتور شوقي مصطفاي، الذي طلب من فارس وقف هذه الاتصالات مؤقتا.

عقب ذلك تدخّل المحافظ السامي الفرنسي كريستيان فوشي ممثل السيادة الفرنسية خلال المرحلة الانتقالية، لدى مصطفاي ليطلعه بأن الرئيس دوغول كان مرتاحا لمبادرة فارس، لما تحمل من تطمين للأقلية الفرنسية على مستقبلها في الجزائر، وتسهيلا لمهمته كذلك في مواجهة الغلاة من أنصار ”الجزائر الفرنسية”. وطمأن كريستيان فوشي من جهته ممثل جبهة التحرير، بأن الاتصالات المرغوبة لن يكون لها أي أثر على اتفاقيات إيفيان.. أصبح الأمر بناء على هذا التدخل يقتضي استشارة الحكومة المؤقتة بتونس، فسافر مصطفاي وفارس لهذا الغرض، فلم يمانع الرئيس بن خدة ورفاقه، شريطة أن يكون الاتفاق مع المنظمة الإرهابية شفويا فقط.

على هذا الأساس اجتمع مصطفاي بسوزيني بعد ظهر 17 يونيو 1962، بنزل جان ماري تين قريبا من فندق الجزائر. وبعد الاستماع إليه أفهمه بكل وضوح:

-أن جبهة التحرير لا يمكن أن توقع اتفاقا مكتوبا مع المنظمة، لأن اتفاقيات إيفيان وفّرت للمستوطنين جميع الضمانات التي طلبتها الحكومة الفرنسية.

-أنه سيدلي بتصريح إلى الإذاعة والتلفزيون، يؤكد فيه جميع الضمانات المطلوبة، ليس من قيادة المنظمة فقط، بل من جميع الشخصيات الأوروبية التي سبق أن اجتمع وفارس بهم.

-عقب تصريح مصطفاي يمكن لسوزيني أن يدلي بتصريح، عبر حصة مقرصنة، يتطرق فيه لمحادثات مع مصطفاي وفارس.

وتجنبا لأي سوء تفاهم، وعد مصطفاي مخاطبه بإطلاعه على نص التصريح بواسطة الوسطاء المشتركين (طالع نص التصريح المرفق).

وتم إعلان البيان فعلا على أمواج الإذاعة مساء اليوم الموالي، وأعقبه كذلك تدخل قائد المنظمة الإرهابية في بث مقرصن، حسب الاتفاق المذكور.

كان الاتفاق الذي وضع حدا لجنون الإرهاب مثار ارتياح المحافظ السامي، الذي لخص مغزاه في لقاء بكل من مصطفاي وفارس قائلا: ”لقد فتحتم أمام المنظمة الإرهابية نافذة للخروج من المأزق، بعد اندحارها على الصعيد العسكري”.

 

مصطفاي يخاطب المستوطنين

 ”إنني أشاطركم حيرتكم تماما، إنكم تتساءلون عن مستقبلكم في هذه البلاد، عن أمنكم، عن احترام شخصيتكم وكرامتكم.

مشاعركم هذه، هي نفسها التي عبّر عنها مسؤولو المنظمات النقابية والمهنية، وبصفة خاصة قادة المنظمة المسلحة الذين تحدثت معهم.

إن مشاركتي شخصيا في هذه المحادثات تعني الاعتراف بجدواها من لدن القادة الجزائريين الذين تنتظرون منهم الضمانات الضرورية”.

ملاحظة: قدّم جاك سوزيني روايته لمحادثاته مع مصطفاي وفارس من خلال حصة مقرصنة.. وأبدى في تصريحه حرصه على تطمين طائفته، باعتبار ما حصل ”اتفاقا بين الجبهة والمنظمة”.                     محمد عباس

 

 

 

 

مائة ألف منخرط زرعوا الرعب في عامة الجزائر

الدكتور بشير فايد قسم التاريخ والآثار - جامعة سطيف2

 في الوقت الذي سلّم الرئيس الفرنسي شارل ديغول وحكومته بالأمر الواقع، المتمثل في أن منح الشعب الجزائري حريته مسألة لا تقبل التراجع، حيث راح يلعب كل أوراقه للخروج باتفاق مشرّف يحفظ لفرنسا ماء الوجه، كان هنالك في المقابل من لم يهضم فكرة التخلي عن الجزائر الفرنسية بين صفوف العسكريين وغالبية المعمّرين، الذين ظلوا يرفضون المسألة من أساسها، لأنها تعني بالنسبة إليهم نهاية أحلامهم في الجزائر، التي بدأت ذات يوم في نظرهم وكأنها ضربة حظ، لما نجحت قوات الجنرال ”دوبورمون” الغازية في دكّ عاصمة البلاد واحتلالها في صيف 1830م.

رسميا تأسست هذه المنظمة الإرهابية والإجرامية، في يوم 11 فيفري 1961م بالعاصمة الإسبانية مدريد، من قِبل الرئيس السابق لمنظمة الطلبة بالجزائر بيير لاقايارد، والطالب في الطب جين جاك سيزيني، والعميد راؤول سالان، الذين كانوا في حالة فرار هربا من الملاحقة القانونية لجرائم ارتكبوها. وقد استثمرت المنظمة في الصدمة العنيفة التي أصابت أنصار الجزائر الفرنسية أيّما استثمار، الذين تبنوا أفكارها وسارعوا إلى الانخراط فيها وتقديم المساعدة المادية لها، في عملية أشبه بالمقامرة أو بالمشروع الانتحاري من أجل منع المفاوضات بين الحكومة الفرنسية وجبهة التحرير الوطني (المتمردون الذين يعتبر مجرد الحديث معهم جريمة) من الوصول إلى وقف إطلاق النار، الذي يعني حمل الحقائب للعودة إلى المجهول، خاصة بالنسبة للمستوطنين الذين كان أغلبهم من مواليد الجزائر وينحدرون من أصلاب أجدادهم المستوطنين الأوائل، الذين تقاطروا على البلاد من دول أوروبية عدة.

 في واقع الأمر، لا يمكن التأريخ عمليا لميلاد المنظمة المسلحة السرية بسنة 1961م، وإنما إلى ما قبل ذلك بكثير، وبالضبط إلى سنة 1955م التي شهدت بداية ارتكاب جرائم بشعة في حق الجزائريين على يد ”منظمة المقاومة من أجل جزائر فرنسية”، وقد امتدت جذورها إلى منظمات وتشكيلات سياسية فرنسية أخرى ناقمة ومعارضة لسياسة ديغول الانتحارية في تقدير أعضائها ومناصريها، بالتخلي عن الجنة الجزائرية.

 اتخذت المنظمة من الترهيب والقتل والاغتيالات والنسف والتخريب وسيلة لتحقيق أهدافها، وهو أمر ليس بالجديد على الجزائريين، لكن الجديد في الأمر هو أنها استهدفت الفرنسيين الذين لا يستجيبون لأوامرها بالمشاركة في حركة وأد المشروع الديغولي الانهزامي والاستسلامي بحسبها، بالإضافة إلى الجزائريين بطبيعة الحال. ولذلك اعتبرها البعض صراعا فرنسيا فرنسيا، دفع ثمنه الجزائريون بمزيد من الضحايا والخسائر المادية في الهياكل والمؤسسات، التي يفترض أنها سنتنقل ملكيتها إلى دولتهم الناشئة، مباشرة بعد جلاء قوات الاحتلال.

 ذهبت بعض التقديرات إلى أن المنظمة استقطبت تعاطف نسبة خمس وتسعين بالمائة من مجتمع المستوطنين، الذين ساعدوها بأشكال عدة، وهو أمر ليس بالغريب بالنظر إلى تركيبة هذا المجتمع الهجين، الذي لا يفكر إلا في كيفية زيادة استغلال الجزائريين وملء جيوبه، حتى وصفهم البعض بطغاة الجزائر.

 وحسب تلك التقديرات أيضا، فقد بلغ مجموع منخرطيها العاملين مائة ألف منخرط، زرعوا الرعب في المدن الكبرى عامة والجزائر العاصمة خاصة، وحتى الرئيس شارل ديغول نفسه ذاق جانبا منه، لما تعرّض لمحاولة اغتيال فاشلة يوم 08 سبتمبر 1961م.

 إن صراع ديغول المرير مع إرهابيي المنظمة السرية المسلحة كان صراعا من أجل إنقاذ فرنسا من الغرق في المستنقع الجزائري الذي وجدت نفسها فيه، بفعل النجاحات الكبيرة والنوعية التي حققتها الثورة الجزائرية داخليا وخارجيا، ومن حرب أهلية داخلية تعصف بحكم الجمهورية الفرنسية الخامسة، وبوحدة الشعب الفرنسي الذي انتقلت الثورة الجزائرية إلى عقر داره (30 قتيلا فرنسيا يوميا على الأراضي الفرنسية). ومن تفكك الجيش الفرنسي حامي القيم الجمهورية. فاستحق ديغول لقب الخائن بامتياز لدى المعمرين والعسكريين الناقمين عليه، ولقب البطل عند الفرنسيين المعتدلين الذين يرغبون في التخلص من الكابوس الجزائري مهما كان الثمن.

لا ينبغي أن ننظر إلى الممارسات والأعمال الإجرامية التي قامت بها المنظمة المسلحة السرية في حق الجزائريين وأملاكهم بالدرجة الأولى، والفرنسيين المعتدلين بدرجة ثانية، بمعزل عن الإطار الاستعماري الفرنسي العام في الجزائر؛ بمعنى أنها في النهاية هي مجرد منتج لصناعة فرنسية خالصة، ظلت تقتل وتدمر وتحرق وتبيد، طيلة قرن وثلث قرن من الاحتلال.

 ومن سخرية الأقدار بالنسبة لفرنسا، التي انطبقت عليها قاعدة انقلاب السحر على الساحر، أن جبهة وجيش التحرير الوطنيين قد كانت لهما اليد الطولى في إنقاذها من وحشية وهمجية ودموية وراديكالية وعنصرية المنظمة المسلحة السرية، من خلال الضربات القاصمة التي أسداها لها.

وإذا كانت المنظمة قد اضطرت في نهاية المطاف إلى التسليم بالأمر الواقع، والقبول بالوضع الجديد المفروض عليها، الذي أدى إلى إسدال الستار على آخر فصل من فصول الليل الاستعماري الطويل والمظلم في الجزائر. فإن أفكارها العنصرية ونزعتها العدائية للجزائر، شعبا ودولة، ظلّت حية إلى غاية الآن في الأوساط السياسية والثقافية الفرنسية المتطرفة، التي لا برنامج لها إلا توتير العلاقات بين الدولتين الجزائرية والفرنسية، من خلال نفوذها الممتد في كل أوصال الدولة والمجتمع الفرنسيين معا.

[email protected] 

 

 

العلاقات الفرنسية الجزائرية على وقع التاريخ الاستعماري

استمرار تأثير لوبيات قدماء منظمة الجيش السري 

 

 رغم انقضاء أكثر من نصف قرن على ثورة التحرير في الجزائر وافتكاك استقلالها، إلا أن مجموعات الضغط والمصالح المرتبطة بقدماء المحاربين، وعناصر منظمة الجيش السري الذين ظلوا يعتبرون التخلي عن المستعمرة السابقة خيانة قومية، يشكلون إلى الآن قوة مؤثرة على مستوى المشهد السياسي الفرنسي، بل أكثر من ذلك يظلون حلقة لتحديد مسار العلاقات على محور الجزائر باريس.

تبقى هذه القوى المهيكلة والمنظمة، التي ظلت لسنوات سندا ووعاء انتخابيا لليمين المتطرف الفرنسي، والتي تحولت خاصة في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي إلى تدعيم أطروحات اليمين التقليدي الذي استطاع استقطاب شريحة منها، تساهم في رسم توجهات السياسة الفرنسية تجاه مستعمراته السابقة ومنها الجزائر بالخصوص، نظرا لطبيعة العلاقة النزاعية والمزاجية المتقلبة التي ظلت قائمة على أساس ”عقدة التمرد” للمستعمرة السابقة. وتوضّح الوقائع التاريخية مدى تأثير هذه القوى في تحديد علاقات محور باريس الجزائر. 

هذه القوى التي نجحت مرارا في التموقع، واستطاعت افتكاك أول عفو عن العديد من عناصرها من قِبل الجنرال شارل ديغول في 1968، تبعتها قرارات الرئيس جيسكار ديستان باعتماد قانون خاص بالعفو، ثم إقرار قانون 23 فيفري 2005 الممجد للاستعمار مع الرئيس جاك شيراك التي جاءت على نقيض توجهات شيراك التصالحية، وخطابه الشهير خلال زيارته للجزائر في 2003، واستمرت مع سلسلة من عمليات إعادة الاعتبار وإقامة النصب التذكارية في عهد نيكولا ساركوزي، ومكانة مستشاره ”لوك بوسون” لدى قدماء المحاربين، حيث ظل يعتبر كأحد الرؤوس المفكرة الجديدة لهذا التيار.

 ولم تخرج العلاقات الجزائرية الفرنسية عن دائرة الحساسيات والانفعالات والفعل وردّ الفعل بعد نصف قرن من الاستقلال، كما ظلت بعيدة عن المصالحة التاريخية والتسويات التي أريد تكريسها من خلال مشاريع متعددة لم تتخلص بعد من ترسبات الماضي وعلاقة ”الوصاية” للمستعمر بمستعمرته القديمة.

الجزائر: حفيظ صواليلي

Envoyer cet article par email :

(séparer les emails par des virgules):

Donner votre avis :

Votre nom :
Votre commentaire
(250 caractères max) :